يونس لعناني
عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية المستقلة لهيئة تفتيش الشغل
لم
تعد التشريعات المقارنة في مجال القانون الاجتماعي تترك مسألة تطبيقه وكيفية تأويله
لنشاط المحاكم وحدها، وإنما عملت على خلق هيئات إدارية تساهم بدورها في فرض احترام
ذلك التطبيق داخل المؤسسات التي تخضع للقانون الاجتماعي، وبالخصوص من جانب
أصحابها. وتتمثل هذه الهيئات الإدارية أساسا في مفتشي الشغل الساهرين على إدارتها
وسيرها.[1]
وقد
نصت المادة 532 من مدونة الشغل على صلاحيات مفتش الشغل والتي من أهمها مراقبة
تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، وكذا إعطاء المشغلين
والأجراء معلومات ونصائح تقنية حول أنجع الوسائل لمراعاة الأحكام القانونية.
أما
فيما يتعلق بمراقبة عقد الشغل محدد المدة، فإن مدونة الشغل لم تخول لمفتش الشغل
دورا بارزا في هذا المجال، لأنه ببساطة لم ترتب جزاء على مخالفة أحكام المواد
المنظمة لحالات إبرام عقود الشغل محدد المدة المنصوص عليها في المواد 16 و17 من
مدونة الشغل، أو حتى في المرسوم رقم 2.19.793 القاضي بتحديد القطاعات والحالات
الاستثنائية التي يمكن فيها إبرام عقد الشغل محدد المدة.[2]
فإذا
صادف مفتش الشغل أثناء قيامه بزيارة المراقبة عقد شغل محدد المدة لا تتوافر فيه
الحالات المحددة في المادة 16 و17 أو الحالات المنصوص عليها في المرسوم السالف
الذكر، فإنه ليس بمقدوره توجيه ملاحظة إلى المشغل أو تحرير محضر مخالفة لعدم وجود
سند قانوني يخوله له ذلك. مما تكون معه صلاحية مفتش الشغل محدودة وجد ضيقة. على
خلاف المشرع الفرنسي الذي رتب غرامات مالية تصل إلىeuros 1500 في
حالة مخالفة الشروط الشكلية
لإبرام عقد الشغل محدد المدة (كالكتابة والبيانات الإلزامية)، وكذلك لحالات إبرامه[3].
وقد تولت المادة 131-13 من القانون الجنائي الفرنسي (Code pénal)،
تحديد قيمة الغرامات لجميع درجات المخالفات، فبالنسبة للمخالفات من الدرجة الخامسة[4]
المطبقة على الأشخاص الطبيعيين يعاقب عليها ب 1,500 يورو على الأكثر؛ ويمكن رفعه إلى 3,000 يورو في حالة العود عندما ينص القانون
على ذلك. أما إذا كان مرتكب المخالفة شركة، فيكون الحد الأقصى للغرامة مساوياً
لخمسة أضعاف الغرامة المقررة للأشخاص الطبيعيين أي ما يعادل 7500 يورو طبقا للمادة 131-38 من القانون الجنائي الفرنسي.
وهكذا
يتبين أن مسألة إبرام عقد الشغل محدد المدة خارج الحالات المحددة في المادتين 16
و17 من مدونة الشغل، أو حتى خارج الحالات والقطاعات الاستثنائية الواردة في
المرسوم التظيمي، لم يعتبرها المشرع مخالفة حتى يتمكن مفتش الشغل من تفعيل وظيفته
الرقابية والمتمثلة في تحرير المحاضر أو توجيه ملاحظات. فكما نتحدث عن مبدأ
الشرعية في المادة الجنائية، فإن الأمر نفسه ينطبق على المادة الاجتماعية في شقها
الزجري، فلا مخالفة إلا بوجود نص قانوني صريح يعاقب عليها.
لكن
في المقابل، نجد مدونة الشغل تعاقب على مخالفة الأحكام القانونية المتعلقة
بمقاولات التشغيل المؤقت بغرامة من 2000 إلى 5000 درهم[5]. وحيث أن
مفتشي الشغل مؤهلين لمعاينة المخالفات المتعلقة بأحكام هذا القانون، فإنهم بذلك
باستطاعتهم رصد المخالفات الي يمكن أن تترتب عن عملية إبرام عقود الشغل المؤقتة
وبالتالي تحرير محضر مخالفات بشأنها أو الاكتفاء بتوجيه ملاحظة. ومن أمثلة هذه
المخالفات التي يمكن أن تنجم عن إبرام عقود الشغل المؤقتة نجد مخالفة إبرام عقد
الشغل المؤقت في حالات غير تلك الحالات المنصوص عليها في المادة 496.
وهو
ما يجعلنا في موقف استغراب أمام هذا التمييز الذي نهجه المشرع، إذ خص عقد الشغل
المؤقت بالحماية الزجرية دون عقد الشغل محدد المدة، خاصة وأن كلا العقدين يشتبهان
على مستوى حالات اللجوء إليهما.
ونعتقد
أنه كان على المشرع المغربي تخويل لمفتش الشغل صلاحية تحرير محضر المخالفات عند
إقدام المشغلين على تشغيل العمال خارج الحالات المحددة قانونا حفاظا على المبدأ
الذي يعتبر أن الأصل في عقود الشغل هو عقد الشغل غير محدد المدة. إلا أن مطلبنا
يبقى صعب التحقق في ظل غياب ثقافة التوافق بين المنظمات المهنية للمشغلين
والمنظمات النقابية للأجراء كلما تعلق الأمر بتعديل قانوني قد يمس بمراكز أحد
أطراف العلاقة الشغلية.
وعموما
تبقى تدخلات مفتش الشغل من أجل مراقبة عقد الشغل محدد المدة محدودة فيما يلي:
- ألزمت
مدونة الشغل المشغل بتقديم تصريح لمفتش الشغل بمناسبة تشغيله أجراء جدد طبقا
للمادتين 135 و136؛ وهو ما سيتيح لمفتش الشغل إمكانية متابعة طريقة تشغيلهم إذا جاءت
عن طريق عقد الشغل محدد المدة، خاصة وأن من بين البيانات الإلزامية التي فرضها المرسوم
المحدد لشروط وشكليات تقديم
التصريح بفتح مقاولة أو مؤسسة أو ورش[6]
هي طبيعة النشاط الفعلي الذي تمارسه هذه المقاولة أو المؤسسة طبقا للمادة الأولى
منه، وبالتالي تحري حالات إبرام عقد الشغل محدد المدة في ضوء طبيعة النشاط
الممارس. وضمانا لاحترام مقتضيات هاتين المادتين تعاقب المادة 137 في حالة مخالفة
أحكامهما بغرامة من 2000 إلى 5000 درهم.
- ألزم
المشرع بوضع نظام داخلي بعد سنتين من فتح المقاولة أو مؤسسة، وتوجيه نسخة منه إلى
السلطة الحكومية المكلفة بالشغل طبقا لمقتضيات المادة 138 من م.ش، والتي يتعين
عليها فحص مقتضياته للتأكد من مدى مطابقتها للأحكام المتعلقة بتشريع الشغل قبل
الموافقة عليها، وهو ما يعني إمكانية عدم الموافقة على مشروع النظام الداخلي
لمخالفته المقتضيات القانوني الجاري بها العمل ومنها مخالفة المقتضيات القانونية
المنظمة لعقود الشغل محدد المدة.
[1] محمد الكشبور، نظام تفتيش الشغل، الواقع الحالي وآفاق
المستقبل، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء، ط1997، ص 11 و12.
[2] مرسوم رقم 2.19.793 القاضي بتحديد القطاعات والحالات الاستثنائية التي يمكن
فيها إبرام عقد الشغل محدد المدة، 23 يوليوز 2020، الجريدة الرسمية عدد 6906-16 ذو
الحجة 1441.
[3] Code du travail Article
L1248-1 « Le
fait de conclure un contrat de travail à durée déterminée en méconnaissance des
dispositions des articles L.1242-1 à L.1242-4, L.1242-6 à L.1242-8, L.1242-12
et L.1242-13 est puni de l'amende prévue pour les contraventions de la 5e
classe. »
[4] تعتبر المخالفات من الدرجة الخامسة هي أكبر الغرامات داخل سلم المخالفات في
القانون الجنائي الفرنسي، وهو ما يعكس الحماية القوية التي وفرها المشرع الفرنسي
لعملية إبرام عقود الشغل محدد المدة.
[5] عاقبت المادة 505 من مدونة الشغل بغرامة من 2000 إلى 5000 كل من
خالف أحكام الباب المتعلق بمقاولات التشغيل المؤقت.
[6] مرسوم رقم
2.04.423 صادر في 16 من ذي القعدة 1425 الموافق ل 29 ديسمبر 2004 بتحديد شروط وشكليات تقديم التصريح بفتح مقاولة أو
مؤسسة أو ورش.
