د. يونس لعناني
عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية
المستقلة لهيئة تفتيش الشغل
جاء في بيان الأسباب المضمن في ديباجة القانون
رقم 58.25 المتعلق بقانون
المسطرة المدنية أنه من بين الموجبات الأساسية والمبررات
الجوهرية التي كانت وراء سن قانون المسطرة المدنية الجديد ونسخ القانون القديم، هو
السعي إلى ملاءمة مقتضياته مع توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، ولاسيما
تشجيع اللجوء إلى الصلح لحل المنازعات، والتي يدخل في كنفها الصلح في
نزاعات الشغل الفردية، وهو ما كرسته المادة 313 من قانون المسطرة المدنية الجديد التى
نصت على ما يلي: "إذا باشر طرفا عقد الشغل مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليها
في مدونة الشغل، فلا يجوز لهما اللجوء إلى المحكمة إلا بعد انتهاء هذه المسطرة.
يعتبر نهائيا ولا يطعن فيه إلا بالزور،
كل اتفاق موقع من طرف الأجير والمشغل أو من ينوب عنه، ويكون مصادقا على صحة إمضائه
من طرف الجهة المختصة، وموقعا بالعطف من طرف المكلف بتفتيش الشغل".
وتشكل المادة أعلاه مستجد مسطري
جديد لم يكن منصوص عليه من قبل في قانون المسطرة المدنية القديم بمناسبة تنظيمه
للمسطرة الاجتماعية، إذ قيدت حق أطراف العلاقة الشغلية في اللجوء إلى القضاء بعد
مباشرتهم لمسطرة الصلح إلا بعد الانتهاء منها. كما كشفت عن القيمة القانونية للاتفاقات الموقعة بين المشغل
والأجير في مجال التصالح في نزاعات الشغل الفردية التي يقوم بها مفتش الشغل. وهو
ما دفع بنا إلى بسط بعض الانطباعات الأولية بشأن مستجدات هذه المادة:
§ أبانت المادة 313 من ق.م.م الجديد عن فراغ قانوني
في تنظيم مسطرة الصلح التمهيدي على مستوى مدونة الشغل، فالمادة تفترض مسبقا وجود "مسطرة"
تتم مباشرتها من قبل أطراف عقد الشغل. ومدونة الشغل تتحدث عن الصلح التمهيدي بشكل
مجرد من أي دلالة مسطرية، مع العلم أنه توجد العديد من الإجراءات المسطرية التي تسبق
انعقاد جلسات التصالح خاصة فيما يتعلق بطريقة تلقي واستقبال الشكايات، وكيفيات توجيه
الاستدعاءات لحضور جلسات التصالح وشكلياتها، وتحديد الأشخاص المسموح لهم الحضور ومؤازرة
طرفي النزاع، والبيانات الواجب تضمينها في محضر الصلح ... فلا يوجد أي تنظيم في
مدونة الشغل لمسطرة الصلح التمهيدي يبين بوضوح كيفية مباشره هذه المسطرة ولا كيفية الانتهاء منها، الأمر كله متروك للسادة
مفتشي الشغل في تنظيم إجراءات محاولة التصالح والتي قد تختلف في تفاصليها من مفتش
لآخر.
§ الملاحظ أيضا أن المادة 313 لم ترتب جزاء صريح في حالة لجوء أحد الأطراف إلى المحكمة
دون أن يستكمل مسطره الصلح التمهيدي بعد أن سبق وباشرها الطرفين معا، فهل تصرح المحكمة
بعدم قبول الدعوى تلقائيا أم أنه يتعين على المدعى عليه إثارة هذا الدفع؟ مع العلم
أنه هناك العديد من المواد في ق.م.م التي جاءت صياغتها متضمنة هي الأخرى لعبارة
"لا يجوز" ولم ترتب جزاء صريح كما هو عليه الحال في المواد 3 و7 و28 و82
و146 و149 و151 و153 و169 و244 و291 و433 و453 و459 و471 و483 و484 و492 و493 و496
و510 و553 و583 و599 من
قانون المسطرة المدنية الجديد. فقط المادة 423 هي من أقرت جزاء
صريح عندما جاءت صيغتها كالتالي "لا يجوز أثناء هذه المسطرة استعمال أقوال تتضمن
إهانة للقضاة، وإلا عوقب الطرف بغرامة بين عشرة آلاف (10.000) درهم وخمسين ألف
(50.000) درهم دون الإخلال بتطبيق مقتضيات القانون الجنائي، وإذا تعلق الأمر بمحام
طبقت مقتضيات المادة 94 أعلاه." وفي اعتقادنا، كان على
المشرع أن يسلك في ق.م.م الجديد ما هو منصوص عليه في قانون رقم 95.17 المتعلق
بالتحكيم والوساطة الاتفاقية؛ لأن المقتضى الذي جاءت به المادة 313 من قانون المسطرة
المدنية الجديد في الفقرة الاولى يتشابه إلى حد ما مع مقتضيات المادة 18 من القانون
رقم 95.17 والتي توجب على المحكمة أن تصرح بعدم قبول نزاع سبق عرضه على الهيئة التحكيمية
إلى حين استنفاذ مسطرة التحكيم أو إبطال اتفاق التحكيم. بل ويمكن أن للمحكمة
المختصة أن تصرح بعدم القبول حتى وإن لم يعرض النزاع بعد على الهيئة التحكيمية.
وفي كلتي الحالتين، يتعين على المدعى عليه أن يدفع بذلك قبل كل دفاع في الجوهر، ولا
يجوز للمحكمة المختصة أن تصرح تلقائيا بعدم القبول.
§
المشرع استعمل عبارة "إذا باشر طرفا عقد
الشغل" والتي يفهم منها مشاركة الأجير والمشغل في مباشرة مسطرة الصلح
التمهيدي في آن واحد، وهو أمر لا يحدث إلا نادرا من الناحية العملية، فالشائع هو
مباشرة مسطرة الصلح التمهيدي من قبل الأجير، وبدرجة أقل المشغل. ومهما يكن فإن
تقييد الأطراف من اللجوء إلى المحكمة يسري في حالة المبادرة المشتركة لمسطرة الصلح
التمهيدي بين الطرفين. حيث يتقدم كل من المشغل أو من ينوب عنه مع الأجير إلى مفتش
الشغل من أجل تحرير محضر يوقعانه معا بالإضافة إلى توقيع مفتش الشغل بالعطف من أجل
تسوية خلاف بينهما.
والملاحظ أن هذه المبادرة المشتركة بين الطرفين من
الناحية العملية لا تحتاج إلى مباشرة أي إجراء من إجراءات محاولة التصالح، بحيث
يتولى مفتش الشغل تحرير محضر الصلح بعد التأكد من هوية الطرفين وباقي المعلومات
المتعلقة بالنزاع. وهو ما يجعلنا نستبعد الحالة التي قد يعدل فيها أحد الطرفين عن
إتمام مسطرة الصلح التمهيدي.
§ يعتبر اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي أمام مفتش
الشغل إجراء اختياري كما نصت عليه المادة 41 من مدونة الشغل، وأكدته محكمة النقض
في أكثر من مناسبة، حيث جاء في أحد قراراتها عدد 384 الصادر بتاريخ 05 فبراير 2015
في الملف الاجتماعي عدد 2014/1/5/1261 ما يلي: "إن ما أثارته الطالبة بخصوص
عدم احترام مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليها في المادة 41 من مدونة الشغل، فإن هذا
الإجراء يعتبر اختياريا، وليس إلزاميا، غاية المشرع منه هي الحصول على تعويض عن الضرر
بأسرع السبل وفي أقرب الآجال، ومادام المطلوب وبقية الأجراء فضلوا اللجوء الى المحكمة
للمطالبة بالتعويضات عن الضرر وتوابعه، فلا ضير في ذلك ويبقى ما خلص اليه القرار الاستئنافي
المؤيد للحكم الابتدائي معللا تعليلا كافيا." بيد أن المادة 313 من قانون المسطرة المدنية الجديد
جعلته إلزاميا في حالة مباشرته من قبل طرفا عقد الشغل، إذ لا يجوز اللجوء إلى
المحكمة بعد مباشرة مسطرة الصلح التمهيدي سواء من قبل الأجير أو المشغل إلا بعد
الانتهاء منها. وهو في نظرنا ما يقوض من خاصية الاختيارية في اللجوء إلى محاولة
التصالح، والتي يجب أن تمتد حتى في الحالة التي يعدل فيها الأطراف عن استكمال مسطرة
الصلح بعد أن شرعوا في مباشرة إجراءاتها، ولا يمكن إلزامهم بأي حال من الأحوال بضرورة
استكمالها.
§
كرست الفقرة
الثانية من المادة 313 من قانون المسطرة المدنية الجديد نهائية محضر الصلح التمهيدي
كما هو منصوص عليه في المادة 41 من مدونة الشغل إذا استجمع الشروط المتعلقة
بالتوقيع والمصادقة على صحة الإمضاء وتوقيع مفتش الشغل بالعطف. إلا أن العبارة التي
استعملها المشرع في هذه الفقرة تثير الكثير من التساؤلات؛ إذ استعمل عبارة "كل
اتفاق" وتركه معمما بشكل مطلق بخلاف ما جاء في المادة 41 من مدونة الشغل
التي حصرته في: "الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي..."
فعلى أي نحو يمكن تفسير هذا الاختلاف؟
في
الحقيقة، الموضوع ليس بالسهل سبر أغواره والخروج منه بإجابة واضحة، وإنما هو موضوع
متشعب ومعقد تتشابك فيه غموض النصوص القانونية مع التباين في الممارسة العملية. وهو
ما يعيدنا إلى ذلك النقاش القديم الجديد المتعلق باتفاق الصلح المنجزة في إطار المادة
41 من مدونة الشغل واتفاق الصلح المنجزة في إطار المادة 532 من نفس القانون، فهل
يا ترى ساعدت المادة 313 من ق.م.م الجديد على إنهاء وحسم هذا النقاش أم أنها لم
تعمل سوى على تأجيجه وازدياده غموضا؟
لا نريد أن
نكون متشائمين بشأن هذا المستجد التشريعي، لكن عبارة "كل اتفاق"
حمالة لأوجه، فإذا كانت الممارسة العملية للسادة مفتشي الشغل أوجدت أحسن طريقة
للتمييز بين الاتفاقين وتجاوز غموض النصوص القانونية وذلك بجعل اتفاق الصلح النهائي
المنصوص عليه في المادة 41 من مدونة الشغل مرتبط بتلك التعويضات التي لها صلة
بإنهاء العلاقة الشغلية، وارتضى الأطراف أن يكون اتفاقهم نهائيا وغير قابل للطعن
أمام المحاكم؛ في حين تبقى المادة 532 بمثابة الإطار العام لكافة أشكال التصالح في
مختلف نزاعات الشغل الفردية سواء كانت ناتجة عن تنفيذ عقود الشغل أو عن إنهائه،
لكن من دون أن تكون المحاضر المتمخضة عنها نهائية وإنما تبقى للطرفين إمكانية طرق باب القضاء، لأن الاتفاق
المنجز في إطار المادة 532 من مدونة الشغل تكون له قوة الإبراء في حدود المبالغ
المبينة فيه.
لكن عبارة
"كل اتفاق" ستوقع بنا في مأزق التعميم، بحيث يمكن أن نتصور كل ما
يتعلق بنزاعات الشغل الفردية قد تكون موضوع صلح نهائي سواء كانت ناتجة عن تنفيذ
عقود الشغل أو عن إنهائه شريطة التقيد بشكلية التوقيع والمصادقة على صحة الإمضاء
ثم التوقيع بالعطف من قبل مفتش الشغل. وكأن إرادة المشرع اتجهت نحو تعميم نهائية
الصلح التمهيدي على أي نزاع شغل فردي وهو ما يتناسب تماما مع إرادة ورغبة المشرع
في التخفيف من دعاوى الشغل والتقليص من حجمها ما أمكن.
ختاما، يمكن القول أن نية المشرع واضحة من خلال مقتضيات المادة 313 من ق.م.م الجديد، ألا وهي حث أطراف النزاع على سلوك العدالة التصالحية والطرق الإرادية والحبية لحل النزاع بدل اللجوء إلى المحكمة بشكل مباشر، وهو توجه لا نخفي تأييده وتثمينه لما له من آثار إيجابية تعود على الطرفين. لكن في نفس الوقت لابد من إعادة النظر في مؤسسة الصلح على مستوى مدونة الشغل، خاصة وأنها اليوم أصبحت لها علاقة مباشرة بالحق في التقاضي، الأمر الذي يستدعي الوقوف على مختلف النواقص التي تعتريها، وإيلائها العناية اللازمة بما يساهم في استقرار العلاقات المهنية وإرساء السلم الاجتماعي.
